يحيي بن حمزة العلوي اليمني

13

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وعلى هذا يكون موضوع علم البيان هو علم الفصاحة والبلاغة . ولهذا فإن الماهر فيه يسأل عن أحوالهما وحقائقهما اللفظية والمعنوية ، فيحصل له من النظر في الألفاظ المفردة إدراك الفصاحة ، ويحصل له من النظر في المعاني المركبة أحوال البلاغة كما قررناه . وهم وتنبيه فإن قال قائل فإذا كان موضوع اللغة هو الكلم المفردة ، وهذا بعينه هو موضوع الفصاحة . فإذا كان موضوع علم الإعراب هو الكلم المركبة فهذا بعينه هو موضوع البلاغة ، فمن أين تقع التفرقة بين موضوع علم اللغة وعلم الإعراب ، وبين موضوع علم البيان ، وعلم المعاني مع اتحاد الموضوع منهما في الإفراد والتركيب ؟ وجوابه هو أن علم اللغة ، وعلم الفصاحة . وإن كان متعلّقهما الألفاظ المفردة ، لكنهما يفترقان في الدلالة ، فإنّ نظر اللغوىّ مقصور على معرفة ما يدلّ على اللفظ بالوضع . وصاحب علم البيان ينظر في الألفاظ المفردة من جهة جزالتها ، وسلامتها عن التعقيد ، وبراءتها عن البشاعة ، مع ما يتعلق بها من الأنواع المجازية ، فإنها مؤدية المقصود بالطرق المختلفة ، فافترقا كما ترى ، وهكذا فإن النحوىّ ، وصاحب علم المعاني ، وإن اشتركا في تعلقهما بالألفاظ المركبة ، لكن نظر أحدهما مخالفا لنظر الآخر ، فالنحوىّ ينظر في التركيب من أجل تحصيل الإعراب لتحصل كمال الفائدة ، وصاحب علم المعاني ، ينظر في دلالته الخاصة وهو ما يحصل عند التركيب من بلاغة المعاني . وبلوغها في أقصى المراتب ، فقد حصل مما ذكرناه التمييز مع الاشتراك فيما ذكرناه ، وفي ذلك افتراقهما ، وكشف الغطاء عما ذكرناه بمثال نورده وهو قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] . فنظر اللغوىّ إنما هو من جهة كون القصاص والحياة موضوعين لمعانيهما المفردة ، وغير ذلك من سائر الكلمات المفردة ، ونظر صاحب البيان من جهة سلامة هذه الألفاظ المفردة عن التعقيد ، وسلاستها ، وسهولتها على اللسان . وهذه هو المقصود بالفصاحة . فقد افترقت الدلالتان مع اشتراكهما في التعلق بالألفاظ المفردة وهكذا . ونظر النحوىّ من جهة رفع المبتدأ ، وتقديم خبره عليه وتنكير المبتدأ ، وتوسيط الظرف إلى غير ذلك من الأحوال الإعرابية . ونظر صاحب المعاني من جهة بلاغتها ، وتأدية المعنى المقصود منها ، على أوفى ما يكون